استطاع مجموعة من الشبان المهيكلين في جمعيات سياحية محلية بولاية أولاد جلال في السنوات الأخيرة من تحويل سيارات الجيب العسكرية ذات الدفع الرباعي من رمز للتعذيب و الترهيب و القمع الاستعماري في زمن الاحتلال الفرنسي الى وسيلة ناجعة و مطلوبة لتطوير و تفعيل السياحة الصحراوية أو ما يعرف بسفاري الصحراء على مستوى ولاية أولاد جلال ، فهذه الولاية الفتية تحصي حاليا ما يفوق 200 سيارة جيب تم تحديثها و صيانتها من قبل أصحابها و أغلبهم من الشباب لتصبح منافسة للسيارات الحديثة من حيث سعرها الذي يتراوح حاليا بين 200 الى 250 مليون سنتيم، بحسب شكلها وهيئتها، و هي اليوم مطلوبة بكثرة و مفضلة بإلحاح لدى جميع الوفود السياحية التي تفضل عادة هذا النوع من السيارات المفتوحة و المريحة و المناسبة جدا لقضاء العطل الطويلة و عطل نهاية الأسبوع في صحراء أولاد جلال المعروفة بتضاريسها المتنوعة و حيواناتها و طيورها النادرة .
يكفي أن تشارك في خرجة سياحية ضمن قافلة من قوافل سيارات الجيب في رحلة سفاري لتقف على الجهود التي بذلت من طرف عدد من أبناء ولاية أولاد جلال لتطويع سيارات الجيب واستغلالها لتطوير السياحة الصحراوية في المنطقة، حيث أكد لنا السيد الطبني يزيد رئيس جمعية سياحية محلية أن فكرة استغلال هذا النوع من السيارات أملتها خصوصية المنطقة من حيث المناخ و التضاريس أيضا . فشساعة المساحة بصحراء اولاد جلال و تنوع التضاريس بين أودية و شعاب و جبال و أراضي صخرية و أخرى رملية تطلب استغلال سيارات الجيب لأنها الأنسب لخصوصية المنطقة من حيث القدرة على المقاومة و التحمل ، يضاف الى ذلك الشكل المناسب لهذه المركبة المفتوحة من حيث السطح حيث تتيح لراكبيها من الوفود السياحية التهوئة الطبيعية و القدرة على رؤية المناظر و الطرق بشكل أفضل بكثير من السيارات المغلقة العادية .و من هذه المعطيات و المميزات أصبحت سيارة الجيب هي المفضلة و المستعملة في الرحلات السياحية المتعلقة بسفاري الصحراء بأولاد جلال ، لتبدأ بعدها رحلة البحث عن هذه السيارات و امتلاكها ليصبح عددها اليوم يفوق 200 سيارة ، تستغل جميعها في الخرجات السياحية التي تمتد على مدار 10 أشهر تقريبا في السنة .
صيانتها أصبحت مكلفة جدا بسبب ندرة و غلاء قطع الغيار .
أجمعت آراء مالكي سيارات الجيب بأولاد جلال أن الصعوبة الأكبر التي أصبحت تواجه هؤلاء في السنوات الأخيرة هي عمليات الصيانة و إصلاح الأعطاب في ظل ندرة قطع الغيار و غلاء ثمنها لدرجة أن تجديد سيارة واحدة قد يتطلب انفاق عشرات الملايين دوريا حتى تبقى هذه السيارة قابلة للاستغلال اليومي و بلا أعطاب . و بحسب السيدين روينة وارحيمين، و هما من بين أقدم مالكي سيارات الجيب بأولاد جلال و المتخصصين أيضا في ميكانيك هذا النوع من السيارات، فإن أول خطوة كان يقوم بها هؤلاء في سنوات سابقة هي تتبع أخبار أسواق البيع بالمزاد العلني بحثا عن سيارات الجيب المعروضة للبيع حتى و ان كانت مجرد هيكل معطل ليتم التنقل لاقتناء هذه الجيب مهما كان سعرها الذي كان في سنوات سابقة يتراوح بين 50 الى 70 مليون سنتيمو الآن تضاعف هذا السعر كثيرا ، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الصيانة و الاصلاح و التي قد تستغرق شهورا طويلة بسبب ندرة قطع الغيار أحيانا أو بسبب حالة الجيب التي يتم شراؤها، و بعد جهود مضنية و اتقان مميز يتم اعادة الجيب الى هيئتها الجديدة و كأنها قد خرجت من مصنع حديث .و بقدر الخسارة التي ينفقها صاحبها يكون ثمن الجيب بعد عملية الاصلاح و الصيانة ، حيث أصبح سعرها اليوم يتجاوز 160 الى 200 مليون سنتيم بسبب ازدياد الطلب عليها و ندرتها أيضا في أسواق السيارات، كما أن استيراد هذا النوع من السيارات صعب للغاية و مكلف جدا .و لأن لهذه المركبة متعتها و خصوصيتها فإن الكثيرين خصوصا هواة الصيد في الصحراء و هواة السفاري يجتهدون لامتلاكها و بأي ثمن ليصبح بذلك زينة لصاحبها و قيمة مضافة لصاحبها فهي عنده حسب أحد مالكيها أفضل من أحدث السيارات الرباعية الفاخرة عنده لدرجة أنه قد يمتنع عن تبديلها أو بيعها و لو اعطي أموالا طائلة على حد وصف أحدهم .
الجهود للحفاظ على سيارات الجيب ستتواصل و الدعم مطلوب .
خلال رحلتنا القصيرة على متن سيارة الجيب بصحراء أولاد جلال، في ليلة من ليالي صيف2024 ، أكد جميع الشبان من مالكي هذا النوع من السيارات على أن جهودهم ستتواصل للحفاظ على هذه السيارات لأنها أصبحت مصدر رزقهم و وسيلة من الوسائل المعتمدة لتطوير السياحة الصحراوية،مؤكدين أن بدون هذه السيارات لن تنجح الساحة الصحراوية في المنطقة بدليل أن عدد الوفود السياحية بات يتضاعف بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة و كل انطباعات السوّاح تؤكد الدور الذي تلعبه سيارات الجيب في توفير المتعة و السلامة لهؤلاء السياح الذين أصبحوا يشترطون سيارات الجيب أولا للمشاركة في رحلات السفاري بصحراء المنطقة لدرجة أن السياحة الصحراوية بأولاد جلال باتت مرتبطة بهذه المركبة، و هذا الأمر حسب مالكي الجيب يتطلب دعم من قبل الدولة سواء من خلال تسهيل عمليات استيراد هذا النوع من السيارات أو توفير قطع غيارها .فهذه السيارة توفر حاليا مناصب عمل و لو موسمية و غير ثابتة لعشرات الشبان الذين أصبحت أسماؤهم و حياتهم كلها مرتبطة بسيارات الجيب ، فهذي المركبة المميزة استطاعت جهود أبناء الاستقلال بأولاد جلال أن يحولوها من ذكرى سيئة مرتبطة بالقمح و الوحشية الاستعمارية التي عانى منها الآباء و الأجداد الى ثروة حقيقية في أيدي جيل الاستقلال حيث طوعوها و استثمروها لتكون وسيلتهم لتطوير قطاع تولي له الدولة أهمية كبرى ألا و هو السياحة و بخاصة السياحة الصحراوية التي يعتبرها الكثيرون ثروة بديلة ليضيف لها أبناء أولاد جلال لمسة خاصة و متعة لا تظاهى بفضل سيارات الجيب .
عبد الرحمان محامدية